محمد بن علي الشوكاني
5072
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
صاغرون ، إذا لا أهل مسكنة ومدقعة ، إما على الحقيقة ، وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية انتهى ، فتمام كلام الكشاف مخالف لما يريده القاضي من إنزال كل صغار بهم ، وكان الواجب عليه نقله . قوله ( 1 ) وقال ( 2 ) في تفسير الآية الثانية ( 3 ) : والمعنى ضربت عليم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل من الله وحبل من الناس ، يعني ذمة الله وذمة المسلمين ، أي لا عز لهم قط إلا هذه المواحدة ، وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوا من الجزية انتهى ، وأول كلام جار الله لم ينقله القاضي وهو : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ } ( 4 ) . { بحبل من الله } في محل النصب على الحال ، بتقدير : إلا معتصمين ، أو متمسكين ، أو متلبسين بحبل من الله ، وهو استثناء من أعم عام الأحوال انتهى . وبعده ما نقله القاضي . وأقول : على تسليم أن الذلة ليست الأمر الخلقي التي أنزلها الله عليهم ، فهذا الآية التي في آل عمران ( 5 ) مقيد للآية الأولى في البقرة ( 6 ) وإذا كانت مقيدة لتلك كما هو القاعدة أن المطلق يحمل على المقيد ، فقد صاروا في كنف الإسلام وحماه وعزته ، وقد اكتسبوا حرمة باعتزائهم إلى جانب الإسلام ، ودخوله تحت الذمة والعهد والواقع بين المسلمين وبينهم ، فيكف يجوز لنا تغيير ما مشى عليه الأولون ، وأقروهم عليه من لدن معاذ بن جبل إلى الآن ، ولم ينقل عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا معاذ بن جبل أنه أمر اليهود وألزمهم بالتقاط الأزبال ، إنما عوهدوا على أداء الجزية .
--> ( 1 ) أي الشوكاني في الرسالة رقم ( 166 ) . ( 2 ) الزمخشري في " الكشاف " ( 1 / 610 ) . ( 3 ) من سورة آل عمران ( 112 ) . ( 4 ) [ البقرة : 61 ] . ( 5 ) من سورة آل عمران ( 112 ) . ( 6 ) [ البقرة : 61 ] .